أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

280

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الجمهور على رفع الجلالة خبرا ل « إِنَّ » ، ويضعف أن يجعل بدلا من اسم « إِنَّ » على الموضع عند من يرى ذلك ، والموصول خبر ل « إِنَّ » ، وكذا لو جعله عطف بيان ، ويتقوى هذا بنصب الجلالة في قراءة بكار ، فإنّها فيها بدل أو بيان لاسم « إِنَّ » على اللفظ ، ويضعف أن يكون خبرها عند من يرى نصب الجزأين فيها ، كقوله : 2223 - إذا اسودّ جنح اللّيل فلتأت ولتكن * خطاك خفافا ، إنّ حرّاسنا أسدا « 1 » وقوله : 2224 - إنّ العجوز خبّة جروزا * تأكل كلّ ليلة قفيزا « 2 » قيل : ويؤيد ذلك قراءة الرفع ، أي : في جعلها إيّاه خبرا ، والموصول نعت للّه ، أو بيان له ، أو بدل منه ، أو يجعل خبرا ل « إِنَّ » على ما تقدم من التخاريج ، ويجوز أن يكون مقطوعا على المدح رفعا أو نصبا . وقوله : « فِي سِتَّةِ » أصل « ستّ » : سدس ، فقلبت السين تاء ، فلاقتها الدال ، وهي مقاربة لها ساكنة فوجب الإدغام ، وهذا الإبدال لازم ، ويدل على أن هذا هو الأصل رجوعه في التصغير إلى « سديسة » ، وفي الجمع « أسداس » ، وقولهم : جاء فلان سادسا ، وساتّا وساديا ، بالياء مثناة من أسفل ، قال : 2225 - . . . * وتعتدّني إن لم يق اللّه ساديا « 3 » أي : سادسا ، فأبدلها ياء . و « فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ » الظاهر أنه ظرف ل « خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » معا ، فاستشكل على ذلك أن اليوم إنما هو بطلوع الشمس وغروبها ، وذلك إنما هو بعد وجود السماوات والأرض . وأجابوا عنه بأجوبة منها ، أن « الستة » ظرف لخلق الأرض فقط ، فعلى هذا يكون قوله : « خَلَقَ السَّماواتِ » مطلقا لم يقيده بمدة ، ويكون قوله : « وَالْأَرْضَ » مفعولا بفعل مقدر ، أي : وخلق الأرض ، وهذا الفعل مقيد بمدة ستة أيام ، وهذا قول ضعيف جدا . وقوله : « ثُمَّ اسْتَوى » الظاهر عود الضمير على « اللَّهُ » تعالى بالتأويل المذكور في البقرة « 4 » وقيل : الضمير يعود على « الْخَلْقُ » المفهوم من « خلق » ، أي : ثم استوى خلقه على العرش ، ومثله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ « 5 » ، قالوا : يحتمل أن يعود الضمير في « اسْتَوى » على « الرحمن » ، وأن يعود على « الْخَلْقُ » ، ويكون « الرحمن » خبرا لمبتدأ محذوف ، أي : هو الرحمن . و « الْعَرْشِ » يطلق بإزاء معان كثيرة ، فمنه : سرير الملك ، وعليه : نَكِّرُوا لَها عَرْشَها ، وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ « 6 » ، ومنه : السلطان والعز ، وعليه قول زهير : 2226 - تداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها * وذبيان إذ زلّت بأقدامها النّعل « 7 » وقال الآخر : 2227 - إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم * بربيعة بن الحارث بن شهاب ومنه : خشب يطوى به البئر ، بعد أن يطوى بالحجارة أسفلها ، ومنه : ما يلاقي ظهر القدم وفيه الأصابع ، ومنه : السّقف ، وكل ما علاك فهو عرش ، فكأن المادة دائرة مع العلو والرفعة ، ويقال لأربعة كواكب صغار أسفل من

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) آية ( 29 ) . ( 4 ) سورة طه ، آية ( 5 ) . ( 5 ) سورة النمل ، آية ( 41 ) . ( 6 ) سورة يوسف ، آية ( 100 ) . ( 7 ) تقدم .